تمشي على استحياء – الجزء الثاني

بقلم: يوسف رزق

أن تكون موظف استقبال في جمعية خيرية طبية فهذا يعني أن تعيش الشعور وضده، والإحساس ونقيضه، ففي ذات اللحظة التي قد تحزن فيها حزنًا بليغًا حد البكاء على شخص آخر قد نهشه المرض واستبد به الألم، قد تغمرك الفرحة وتسعد فيها لشخص تماثل للشفاء

هذا اليوم، المكتب يعج بالمتابعين والمراجعين، لكل منهم حاجته التي جاء لقضائها، ومن دونهم امرأة تجلس في الركن القصي من المكتب، وفي يدها كيس بلاستيكي، في طريقة اعتنائها به ما يدل على أنه يحوي شيئًا ثمينًا

طلبت منها أن تتقدم الحاضرين، إذ كانت هي المرأة الوحيدة في مكتب الاستقبال، إلا أنها أشارت إليَّ أن أكمل ما تبقى من المراجعين، شعرت أن لديها شيئًا خاصًّا تود قوله

أنهيت معاملات من كان أمامي من المراجعين، ثم قلت: “تفضلي”

قامت بخطى عجلى، خطى من يحمل نبأً هامّاً

“أنا المرأة التي زرتك قبل شهر تقريبًا، هل تتذكرني؟” قالتها وهي تفتح حقيبتها اليدوية وتستخرج منها بعض الأوراق

قلت – وأنا ابتسم- “للأسف يا سيدتي، الزائرون كثيرون، لكني حتمًا سأتذكرك إذا ذكّرتني بتفاصيل أكثر عن حالتك”

ضحكت ضحكة خافتة، وقالت وهي تضع أمامي تقريرًا طبيًّا: “حسنًا، أنا تلك المرأة التي جاءت تطلب المساعدة في إجراء خزعة وبعض الفحوصات للاشتباه بإصابتي بسرطان الثدي”

“نعم.. نعم تذكرتك”، قلتها وأنا أضع التقرير أمامي، ثم أردفْت: “أخبريني، ماذا قال الطبيب؟ هل ظهرت نتيجة الخزعة؟”

قالت في حماسة: “نعم، لقد ظهرت النتيجة”، ثم سكتت قليلًا وكأنها تعطيني بعض الوقت لأستكشف الخبر بنفسي من خلال التقرير، ثم قالت كمن شعر أن الأمر لا يحتمل الانتظار أكثر: “لقد ظهرت النتيجة.. النتيجة (Negative)، أنا لست مصابة بالسرطان”، قالتها وهي تضغط على حروف الكلمة الإنجليزية بحماسة لم تستطع إخفاءها، كانت عيناي تحملقان في التقرير وأنا أستمع إليها، مدت يدها إلى التقرير لتشير إلى الكلمة، وكأنها تختصر عليَّ الوقت لأشاركها نشوة الفرح، وغمرة السعادة

نظرت إليها، كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، هي نفس الدموع التي سالت في زيارتها الأولى، غير أن المشاعر ليست هي المشاعر

لا أخفيك عزيزي القارئ أني شعرت بسعادة ربما تضاهي سعادتها، حمدت الله لها، وأثنيت عليه

قالت وهي تمسح عينيها بيدها، وتتنفس الصعداء: “ما كنت سمعته من الطبيب عن احتمالات تشخيصي جعلني أعيش أسوأ أيام حياتي على الإطلاق، لقد كنت أموت في اليوم ألف مرة”، ثم مدت يدها إلى ذلك الكيس البلاستيكي، وأخرجت منه صحنًا قد رُصّ فيه بعض التمر بعناية، وقالت في خجل: “هل بالإمكان قبول هديتي هذه، أدري أنها بسيطة ومتواضعة، ولكن كما يقال: الجود من الموجود، ولو استطعت أن أقدم أكثر من ذلك لفعلت، لكن هذا أقصى ما أملك”

قلت لها وأنا ابتسم: “ما جئتِ به كثير، غير أنّا لا نقبل الهدايا إزاء ما نقدمه من خدمات”، أصرّتْ على أن آخذه ثم تركَتْه على الطاولة وانصرفت وهي تلهج بالثناء والدعاء

ومن تلك الأزقّة التي جاءت منها ذات يوم عادت، ولكنها عادت بشعور غير الشعور، وبقلب غير ذلك القلب الحزين الذي جاءت به.. بقلب ينبض بأمل الحياة

 
شاركها على

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.