تمشي على استحياء – الجزء الأول

بقلم: يوسف رزق

المكتب خالٍ من المراجعين، إنها من اللحظات القليلة التي تمر على مكتب الاستقبال وهو بهذا الهدوء، فرصة إذن أن أحظى بقليل من الاسترخاء، مِلت بظهري قليلًا على الكرسي، شبكت يدي خلف رأسي، وأخذت نفسًا عميقًا

كان الشارع يعج بالمارة، ومن واجهة المكتب الزجاجي المطل على الشارع جلست أرقب العابرين، وأتأمل السائرين، ومن بعيد، لمحتها تمشي على استحياء، تُقدم رجلًا وتؤخر أخرى، حتى وقفَت أمام الباب الزجاجي مباشرة، أشارت بيدها تستأذن للدخول

“تفضلي”.. قلتها وأنا أشير بيدي نحو الداخل

دخلت دخول المتردد الحيي، سلمَت ثم صمتت، قلت لها محاولًا إشعارها بشيء من الطمأنينة والأمان: “كيف أستطيع خدمتك؟”

تنفسَت الصعداء.. ثم بدأت الحديث بصوت منخفض خجول

“منذ ثلاثة أشهر – أو يزيد – شعرت بألم في الناحية اليمني من صدري، فراجعت طبيبًا مختصًّا، وبعد الكشف الأولي أخبرني باحتمالية إصابتي بسرطان الثدي، وحتى يتأكد من الأمر قرر لي إجراء خزعة وبعض الأشعة والفحوصات”. ثم سكتت لبرهة وكأنها تعيد ترتيب أفكارها

استأنفت حديثها بتنهيدة شعرتُ وكأنها اقتلعتها اقتلاعًا من داخلها، لتترجم ما يعتمل في جوفها من مشاعر، وبصوت مشوب بعَبرة قالت: “ومنذ ذلك الحين وأنا أسعى جاهدة لإجراء هذه الفحوصات، غير أني وقفت عاجزة أمام ذلك كله، فالتكاليف باهظة، وأنا هنا وحيدة بلا معيل ولا كافل”

ثم أكملت “كل يوم يمضي أتوهّم أني اقترب من الموت أكثر، إنه يتراءى لي في كل تفاصيل حياتي، ويخيّل إليّ أن هذا المرض يسري في جسمي سريان النار في الهشيم، وينهش فيه بلا رحمة ولا شفقة”

اغرورقت عيناها بالدموع، أشاحت بوجهها عني وكأنها تريد أن تخفي انكسارها وضعفها وقلة حيلتها. ثم قالت: “لا شيء أفظع من اجتماع الفقر والمرض، أمران ثقيلان يعجز أقوى الرجال عن حملهما، فما بالك بامرأة لا تملك من أمرها شيئا”

طمأنْتها، أخبرتها أن الأمر يسير وسهل، وأنها قادرة – بإذن الله – على إجراء هذه الفحوصات في أقرب وقت ممكن. أخذتُ أوراقها ورقمها ووعدتها بالاتصال بها قريبًا.. ثم خرجَت عائدة من ذات الطريق التي جاءت منها، تجرّ ذات الخطى المترددة… حتى غابت عن ناظري

وللحكاية بقية

شاركها على

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.