الصامت البليغ

بقلم: يوسف رزق

رب سكوت أبلغ من منطق

لم يتبق إلا القليل وسأغلق مكتبي بانتهاء الدوام، كان اليوم – كغيره – حافلًا بحالات المرضى المحتاجين، بدأت في ترتيب الأوراق على مكتبي، فجأة فُتح باب المكتب، كان الداخل رجلًا في منتصف العمر، تصحبه فتاة عشرينية.. ومن هيئة الرجل عرفت أن لديهما حالة صعبة

“تفضّلا”، قلت وأنا أشير إلى مقاعد الزوار

حينما جلسا لم ينطق أي منهما ببنت شفة، نظرت إلى الرجل فإذا هو واجم صامت، كأنما يحمل على رأسه جبالاً من الهموم، لكنه في صمته هذا كان أبلغ منه إذا نطق، فصمته يوحي بأن العبء الذي يرهق كاهله ليس هينًا البتة.. وقد كان كذلك

أخذت الفتاة زمام المبادرة في الحديث، كانت دموعها تسابق كلماتها، أخبرتني أن والدتها في المستشفى بحاجة إلى عملية عاجلة للقلب، تكاليفها باهظة بالنسبة لأبيها الذي بالكاد يغطي راتبه احتياجاتهم اليومية، أما المشكلة الحقيقية فهي أن المستشفى قد أمهلهم بضعة أيام لتوفير قيمة العملية، وإلا فإنهم سيضطرون إلى إخراج المريضة

وأردفت أن والدتها لا تنام من الألم والهم.. وكيف لقلب اجتمع عليه هذان الأمران أن يصمد طويلًا؟

أخذت أوراقهما ورقمًا للتواصل، وودعتهما على أمل الاتصال بهما قريبًا

حصلت الحالة على قبول الجمعية للتكفل بتكلفة بالعلاج، فاتصلت عليهم وأخبرتهم بذلك. كان وقع الخبر عليهم كبيرًا جدًا، استشعرت فرحًا لديهم لا يمكن وصفه، وحينما زارني الرجل في اليوم التالي ليتسلم خطاب الإحالة للمستشفى كان سعيدًا منطلق اللسان، يلهج بالدعاء الذي لا يكاد ينقطع. هنا عرفت ما الذي عقد لسان الرجل عن النطق من قبل، أدركت أنه في صمته ذلك قد قال الكثير والكثير

 
شاركها على

One Response

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.